الشيخ علي المشكيني

327

رسائل قرآنى

أحكامها ، أو نسخ الآية من حيث الحكم فقط - فقد استشكل في إمكان ذلك عقلًا بأنّ الحكم المنسوخ إن لم تكن مصلحة في إنشائه وتشريعه ، كان أصل التشريع لغواً مستحيل الصدور عن الحكيم العالم بالمصالح والمفاسد وملاكات الأحكام ، وإن كانت فيه مصلحة ، كان نسخه وإزالته لغواً كذلك ؛ فالنسخ الواقع في الحكم مستلزم دائماً لأحد الباطلين : إمّا لغويّة الجعل ، وإمّا لغويّة النسخ . والجواب : أنّه من المعقول جدّاً أن يكون حكم من الأحكام ذات مصلحة موقّتة بوقت محدودة بحدّ ، ولا تكون له بعد تلك المدّة مصلحة ، بل يكون الصلاح فيما يغايرها ويضادّها . وهذا أمر واضح ، بل واقع كثيراً في الأحكام العرفيّة الدولية وغيرها ، ويقع نظيرها في الأوامر الصادرة عن الأطبّاء بالنسبة إلى المرضى ، فيأمر بدواء وغذاء ، ثمّ يأمر بعد مدّة بضدّهما أو نقيضهما . إن قلت : إذا كان الحكم من أصله موقّتاً بوقت محدود ، فلا يصدق عليه بعد انتهاء أمده أنّه منسوخ ، فكيف يصدق عنوان النسخ في هذا المورد ؟ قلنا : ليس النسخ رفعاً ثبوتيّاً وإثباتيّاً بمعنى أنّه لم يكن صلاح في جعل الحكم أصلًا ، فتخيّل الجاعل فيه الصلاح ، فأمر ونهى بنحو مستمرّ دائم ، ثمّ التفت بعد مدّة من الزمان إلى عدم المصلحة أو وجود المفسدة في أصل الجعل ، فينسخ الحكم وأزاله ؛ أو أنّه قد كانت المصلحة في جعل الحكم وتشريعه الدائم فشرعه ، ثمّ تخيّل بعد برهة من الزمان عدم المصلحة أو وجود المفسدة فيه ، فينسخ الحكم وأزاله مع وجود الملاك مطلقاً ؛ فإنّ هذين القسمين من النسخ لا يتصوّر في فعل اللَّه تعالى الحكيم العالم بملاكات الأحكام ومناطاتها ، والخبير ببواطن الأُمور وعواقبها ؛ بل النسخ في أحكام اللَّه دفع ثبوتي ورفع إثباتي ، بمعنى أنّه إزالة للحكم ، ونسخ بحسب ظواهر الأدلّة المقتضية للدوام والاستمرار ، وإخبار بحسب الواقع عن تماميّة أمد الحكم وانقضاء مدّته ، فكان الحكم منذ مدّة تشريعه إلى وقت نسخه ذات صلاح للفرد أو الأُمّة لازم العمل والإجراء ، وبعد النسخ لا صلاح فيه ولا ملاك ولا مناط ، بل الصلاح فيما يغايره ؛ فالمغاير المجعول بعده إمّا ذات صلاح مثله ، أو هو خير منه ،